الشوكاني

459

فتح القدير

من المنكر . قال الزجاج : أي ثم أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار . قال الجوهري : النكير والإنكار تغيير المنكر . ثم ذكر سبحانه كيف عذب أهل القرى المكذبة فقال ( وكأين من قرية أهلكناها ) أي أهلكنا أهلها ، وقد تقدم الكلام على هذا التركيب في آل عمران ، وقرئ أهلكتها ، وجملة ( وهى ظالمة ) حالية ، وجملة ( فهي خاوية ) عطف على أهلكناها ، لا على ظالمة لأنها حالية ، والعذاب ليس في حال الظلم ، والمراد بنسبة الظلم إليها نسبته إلى أهلها : والخواء : بمعنى السقوط : أي فهي ساقطة ( على عروشها ) أي على سقوفها ، وذلك بسبب تعطل سكانها حتى تهدمت فسقطت حيطانها فوق سقوفها ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في البقرة ( وبئر معطلة ) معطوف على قرية ، والمعنى : وكم من أهل قرية ، ومن أهل بئر معطلة هكذا قال الزجاج . وقال الفراء : إنه معطوف على عروشها ، والمراد بالمعطلة المتروكة . وقيل الخالية عن أهلها لهلاكهم ، وقيل الغائرة ، وقيل معطلة من الدلاء والأرشية ، والقصر المشيد هو المرفوع البنيان كذا قال قتادة والضحاك ، ويدل عليه قول عدي بن زيد : شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور شاده : أي رفعه . وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد : المراد بالمشيد المجصص ، مأخوذ من الشيد ، وهو الجص ، ومنه قول الراجز : لا تحسبني وإن كنت امرأ غمرا * كحية الماء بين الطين والشيد وقيل المشيد الحصين قاله الكلبي . قال الجوهري : المشيد المعمول بالشيد ، والشيد بالكسر كل شئ طليت به الحائط من جص أو بلاط ، وبالفتح المصدر ، تقول شاده يشيده جصصه ، والمشيد بالتشديد المطول قال الكسائي : للواحد من قوله تعالى - في بروج مشيدة - . والمعنى المعني : وكم من قصر مشيد معطل مثل البئر المعطلة ؟ ومعنى التعطيل في القصر هو أنه معطل من أهله ، أو من آلاته ، أو نحو ذلك . قال القرطبي في تفسيره : ويقال إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان ، فالقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى إليه بحال ، والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئا سقط فيها إلا أخرجته ، وأصحاب القصر ملوك الحضر ، وأصحاب البئر ملوك البدو . حكى الثعلبي وغيره : أن البئر كان بعدن من اليمن في بلد يقال لها حضوراء ، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ونجوا من العذاب ومعهم صالح فمات صالح ، فسمى المكان حضرموت ، لأن صالحا لما حضره مات فبنوا حضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا ، ثم ذكر قصة طويلة ، وقال بعد ذلك : وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عاد بن إرم ، لم يبن في الأرض مثله فيما ذكروا وزعموا ، وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنس ، وإقفاره بعد العمران ، وإن أحدا لا يستطيع أن يدنو منه على أميال ، لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغد وبهاء الملك ، وانتظام الأهل كالسلك فبادوا وما عادوا ، فذكرهم الله سبحانه في هذه الآية موعظة وعبرة . قال : وقيل إنهم الذين أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة الأنبياء في قوله وكم قصمنا من قرية - فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم انتهى . ثم أنكر سبحانه على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الآثار قائلا ( أفلم يسيروا في الأرض ) حثا لهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا ، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا ، فلهذا أنكر عليهم ، كما في قوله - وإنكم لتمرون عليهم مصبحين . وبالليل أفلا تعقلون ، ومعنى ( فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه وسلم وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل ، كما أن الآذان محل السمع ، وقيل إن العقل محله الدماغ ولا مانع من ذلك ، فإن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجا عنه .